اليوم الرابع عشر في العزل الصحي: قليل من القلق والجنون وأشياء أخرى
اليوم السبت 28 مارس 2020 الرابع عشر منذ بدء اجراءات العزل الصحي، التي بدأت منذ أسبوعين بالضبط بقرار تعليق الدراسة في مصر وقراري الاتجاه إلى العزلة الإضافية في النوبارية.
عزلة تمنيتها طويلًا عندما كان أيامي عبارة عن مارثون وجري يومي ما بين الجامعة وتمرين لولو والهوم وورك وغيرها من الواجبات.
وراحة كذلك تمنيتها لأحصل على وقت إضافي لنفسي، والآن ليس فقط تخلصت من أعباء المدرسة والتمارين والهوم وورك، ولكن كذلك فقدت جزء من عملي، وبالتالي ساعات أكثر من وقتي.
إذًا ماذا أفعل بكل هذا الوقت الثمين؟
أفعل كل ما كنت أرغب به بافعل، بالتأكيد توقعت أني ضيعته كله هباء، لكن في الحقيقة لا، أنا أشاهد الأفلام وأقرأ وأجلس في الشمس، وأنظف بيتي كل يوم.
ولكن لا استطيع الاستمتاع الكامل بكل هذه المشهيات، هناك في الخلفية قلق مستمر، وحش بداخلي ينهنشني آناء الليل وأطراف النهار.
والأسوأ من وجوه غيابه ورجوعه، فلو كان مستمرًا ربما كنت تعودت عليه وتجاهلتله قليلًا، ولكن العكس ما يحدث.
ينزاح عني، أشعر أني جيدة، أتحمس وأبدأ المشاريع، أنجح فيها، ولكن فجأة يعود ضاحكًا مني، عن سذاجتي واعتقادي إني تخلصت منه.
لذلك أتقلب طوال اليوم ما بين القلق والطمأنينة، كراهية البشر الأغبياء الذين يخرقون العزل الصحي كل يوم، ليزيدوا من مدته علينا، والأسوأ يجلبوا نتائج مخيفة على الجميع، ثم القلق على نفس البشر الأغبياء الذين سيفقدون وظائفهم بسبب الوباء والعزل الصحي وحظر التجوال وكل هذه الأوضاع.
منذ أربع ساعات تقريبًا تعللت لزوجي بأني لا أستطيع مشاهدة فيلم في الصالة لأنها باردة، في الحقيقة كنت أكذب، لأني كنت حزينة لدرجة أني لا أستطيع القيام من السرير، فكرة الوقوف على قدمي، والأسوأ أن أظل في وضع الجلوس كانت ثقيلة للغاية على قلبي، ولكن بعد ساعة ونصف تقريبًا، لم استطع فقط الوقوف، لكن تمرنت كذلك لمدة 20 دقيقة.
هذا التضارب والمشاعر الصاعدة النازلة تأكلني، تشعرني طوال الوقت أني مجنونة، أني خائفة، ليس مما سيحدث، لكن مما سيحدث داخلي بعد لحظات، حالة من الترقب المستمر للوحش القادم بعد قليل.
***
اكتشفت اليوم أني أتحدث كثيرًا وبصوت عالي عن مخاوفي، وأن ذلك سيء للغاية، وله تأثير سلبي على لولو.
كنا نمر بجوار ترعة النصر ونحن ذاهبين للنوبارية وفجأة قالت لولو لمحمد تلك هي الترعة التي ترغب أمي في إلقاء نفسها بها!
لم أعلم أن الكلمة التي قلتها يومًا نصف هازلة نصف يائسة ظلت في ذاكرتها، حاولت محوها بالحديث عن البلهارسيا، وكيف كانت وقت طفولتي عندما كنت في عمرها، أخذت الحديث يمينًا وويسارًا بشكل هيستري لعلي أنسيها ما قالته من دقائق، ولكن كنت مرتعبة لأني تفوهت بذلك دون أن أدري ولا أذكر متى فعلت، والأسوأ انها تذكرت ذلك وحتى اليوم.
من يومين كنت أفكر في أني يجب علي تقليل الحديث عن الكورونا أمامها، ألا أنقل لها كل هذا القلق والرعب بداخلي، ولكن كلما حاولت ذلك وجدت هذه الكورونا الغبية تقفز في منتصف الحديث.
مامي لماذا لا نذهب لتيته أمي "والدة محمد" لا نستطيع يا لولو بسبب الكورونا، لماذا لا أذهب للمدرسة، لماذا لا أستطيع الذهاب إلى البحر طالما نحن في إجازة، عشرات الأسئلة وعشرات المرات التي يطرح فيها نفس الإجابة، إنها تلك الكورونا الغبية.
لكن من الغد سأحاول قليلًا أن أقلل من الحديث عن الكورونا والوباء والعزل وأجد أجوبة أقل إقلاقًا لها.
منذ قليل كنت أشاهد مع محمد فيلم العملاق Giant فيلم قديم من الخمسينيات، فيه بعض من أبطال السينما الكلاسيكية المفضلين لي، عمل مثالي كي أنسى قلقي لثلاث ساعات ونصف، ولكن خلال المشاهدة ظللت مثل غراب البين، أذكره بأن هذا هو الفيلم الثالث والأخير لجيمس دين هذا الوسيم الجميل، الذي توفي في حادث سيارة قبل عرض الفيلم، وأن روك هدسون هذا العملاق الجميل توفي كذلك بالإيدز، ثم أحسب عمر هدسون عندما مات، هل كان شابًا هل شبع من عمره أم توفي قبل الآوان.
الموت والحزن والقلق حتى على مصائر أشخاص ليسوا في حياتي يبدو كما لو إنه يلاحقني لا أستطيع الخلاص منه.
يكفي حديثًا عن كل هذا النكد اليوم وغدًا يومًا آخر.
علياء طلعت


Comments
Post a Comment